أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بالاطلاع على القوانين بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب.

مذكرات الرئيس الفريق ابراهيم عبود لاول مرة - قصة الثورة

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
الدخول
فقدت كلمة المرور
القوانين
البحث فى المنتدى



 
الرئيسيةالتسجيلدخول


شاطر | .
 

 مذكرات الرئيس الفريق ابراهيم عبود لاول مرة - قصة الثورة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
imar088

عقـــيد
عقـــيد
avatar



الـبلد :
العمر : 52
المهنة : أخيراً متقاعد
التسجيل : 08/11/2015
عدد المساهمات : 1453
معدل النشاط : 1692
التقييم : 121
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: مذكرات الرئيس الفريق ابراهيم عبود لاول مرة - قصة الثورة    الخميس 27 أبريل 2017 - 10:43

مذكرات الرئيس الفريق ابراهيم عبود لاول مرة - قصة الثورة


بقلم الرئيس الفريق عبود ( 1-2)
* وضعت الخوزة علي رأسي وقلت   : لقد بدأ العمل
* لم تكن  الثورة لقلب حكومة بل لاحضار حكومة يرضي عنها الشعب
* إن الله يريد انقاذنالاننا شعب تقي و صبور .
* انني لا اكتب في مذكراتي الاسماء لانني لا اريد ان اهاجم الاشخاص .الفريق عبود
* الخدمات التي يؤديها الجندي لوطنه لا تقل بل وتزيد في كثير من الاحيان  عن الخدمات التي يؤديها وزير او حاكم .
مقدمة :
إن المذكرات لا تكتب بالمداد ، انما تكتب دائماً بالدم .. صحيح اننا نضعها هنا علي الورق ولكن قبل ان نكتبها نعيشها بدمائنا وارواحنا وهذه هي مذكراتي عن ثورة السودان ، ثورة 17 نوفمبر 1958.
الفريق ابراهيم عبود
انها بلا مقدمات مثيرة ، وبلا طلاء ، انها الحقائق وحدها لانني تعودت ان اعيش حياتي علي الحقيقة فقط ، والا الجأ الي الخيال .
لقد بدأت اراقب الموقف  في السودان بعد الاستقلال مباشرة وليس معني هذا انني كنت بعيداً عنه قبل الاستقلال  ، لقد كنت اعيش فيه ، ولكن الهدف الاكبر لنا جميعاً كان الحصول علي استقلال السودان ، وعندما تحقق الهدف الاكبر بدأت الاحلام الداخلية تتحرك من الحيز الضيق الذي كانت تشغله الي حيز اكبر واقوي ..
وبدأ الحكم في السودان ، حكم سوداني صحيح ، احزاب وبرلمان ودستور ومجلس سيادة ، كل هذا كان علي الورق ، وكان يبشر بمستقبل كبير وانتظرنا التنفيذ ، انتظرنا الحلم الذي رسمناه علي الورق ، ليصبح حقيقة واقعة ، لنشاهد كيف سيعيش.
انني أوُمن بالديمقراطية الصحيحة ، وحتي الان والمسألة كلها علي الورق كانت تبدو ديمقراطية سليمة صحيحة ولكن المهم التنفيذ .
وبدأ التنفيذ ، ومرت الاشهر الاولي من قيام أول وزارة سودانية لتحكم  السودان فماذا وجدت ؟
وجدت ان الديمقراطية قد انقلبت الي حزبية ، كل حزب يحاول جمع انصاره ويجعلهم مقتنعون بما يقوله  الحزب فقط ، الحزب المعارض يقف ضد اي مشروع حتي ولو كان الهدف منه صالح البلاد ، لا احد ينظر الي هذا ، المهم مناورات حزبية لاسقاط الوزارة باي ثمن ، ومهمة الوزارة هي البقاء في الحكم .
بداية الثورة:
ووسط هذا الضجيج ضاعت مصلحة كبيرة ، انها مصلحة شعب السودان  هذا الشعب الذي يريد انساناً يفكر فيه وحده ، في مصلحته وفي رفاهيته وفي العمل المثمر من اجله ، ان هذا مايريده الشعب ، لا يريد مناورات ومناقشات وحزبيات ولكن يريد عملاً من اجله فقط وفي سبيل سعادته وحده انه يريد ان يحس ان له كياناً وان الحاكم ينظر اليه ، لا يسرقه بوعود براقة اثناء الانتخابات ثم ينسي هذه الوعود بعد الانتخابات ، وبدأت اتحدث عن الفكرة و اناقشها مع زملائي الضباط وكانت هذه المناقشات بداية الثورة في نفسي وفي نفس زملائي الضباط علي الطريقة التي تسير بها الامور .
لقد قررنا أن ننتظر ونراقب وان نجتمع ونناقش ، وان نعطي للاحزاب فرصة اخري عسي ان تعرف هدفها وهو العمل لمصلحة الشعب وليس العمل لمصلحة الحزب .
كنت اجتمع انا وزملائي الضباط في منازلهم ، ولم يكن يحضر هذه الاجتماعات غيرنا ، لكن الهدف الذي كان يجمعنا لم يتحول الي ثورة بعد ، لقد كانت مجرد فكرة اولاً ، فكرة اتفق عليها الجميع واقتنع بها وبدأوا يبحثون عن حل .
ومرت الايام ، وفي كل يوم كانت الاحوال تزداد سوءاً ، وسقطت حكومة  وجاءت حكومة اخري .. انني لا اكتب في مذكراتي الاسماء لانني لا اريد ان اهاجم الاشخاص ، إن الاشخاص الذين اختيروا لتمثيل هذا الدور في تاريخ السودان  ليسوا مهمين بقدر الفكرة نفسها التي نفذوها  وتغير الاشخاص مع بقاء نفس النظام  الحزبي والتنافر وتقسيم الشعب الي احزاب لم يكن يؤثر ، كان مجرد تغير لممثل في رواية مسرحية ، ليأتي الممثل الجديد الذي يقوم بنفس الدور ونفس الحركات ، الرواية وحدها هي التي كانت بحاجة الي تغيير .
واصبحت انا واخوتي الضباط نعقد اجتماعات دورية ، كان كل واحد منا حريص علي ان يحضر هذه الاجتماعات السرية وان يبحث معنا عن حل حل لاسعاد الشعب وانقاذه .
انا مسؤل عن الشعب:
وهنا اقف قليلاً لاقرر حقيقة واقعة ،هي  إنني لم اكن اطمع في الحكم ولست انا ولا زملائي الضباط من الذين تغريهم المناصب ، اننا نعتقد ان الانسان يستطيع ان يخدم وطنه في كل ميدان ، وان الخدمات التي يؤديها الجندي لوطنه لا تقل بل وتزيد في كثير من الاحيان  عن الخدمات التي يؤديها وزير او حاكم . وكنت اقول لنفسي احياناً : انني مبسوط واعيش في رغد ولي املاك ، زيادة علي مرتبي ، انني لا اشعر بالضائقة ، لا اشعر انني محتاج لشيئ ، ثم اعود فاقول ولكن هذا الشعب ؟ هؤلاء الرجال جميعاً نحن مسؤلون عنهم ، اننا مسؤلون عن رفاهيتهم وحياتهم ، اننا يجب ان نعمل علي رفعتهم هم اولاً ويجب ان نفكر فيهم قبل ان نفكر في انفسنا وكان اخواني الضباط يوافقونني علي كل كلمة اقولها .
و ذات يوم منذ اكثر من سنة ، ولازلت اذكر هذا اليوم لانه كان يوماً حاسماً في حياتي ، انه يوم 16 مارس حيث اجتمعت مع زملائي الضباط بمنزلي واحضرنا مصحفاً ووضعناه امامنا علي المائدة واقسمنا علي المصحف جميعاً الا نبوح بالسر ، اقسمنا ان تبقي كل اتفاقاتنا في صدورنا فقط ،  الا نبلغها لأي انسان مهما كان عزيزاً علينا ومهما كانت صلتنا به قوية .
مولد مجلس الثورة:
كان قسمنا هذا هو مولد مجلس الثورة وقررنا في ذلك اليوم انه اذا لم ينصلح الحال الحزبي واذا لم تسر الحكومة بعيداً عن الاضواء ، فاننا سنقوم بانقلاب ، ونستولي علي الحكم ، وقررنا ان نترك الفرصة عدة شهور للحكومات وان نجتمع بصفة دورية في منازلنا مرة كل اسبوع وان نسمع شكاوي الناس وان نحاسب علي الوعود الانتخابية ، وبدأنا نجتمع بسرية تامة ، لم يكن احداً يعلم ما يحدث بيننا نحن  الثلاثة عشر ضابطاً ، وكنا الوحيدين الذين نعرف ما يجري حولنا من احداث ، وفي كل مرة نعقد فيها اجتماع جديد كنا نزداد قناعة باننا يجب ان نستولي علي الحكم. ،الحكومات لا تفي بتعهداتها للشعب ، انها لا تعمل كما يريد المواطن السوداني ، لقد اصبح كل مواطن يشعر بعدم الاستقرار، اصبح غير مطمئن علي ماله و اسرته ، الرشاوي متفشية والفساد منتشرفي كل اجهزة الدولة ، إن  التصريح بدخول بضائع له ثمن وتصريح بخروجها ايضاً له ثمنه ، الساسة يباعون ويشترون ويغيرون مبادئهم حسب الاموال التي تدفع لهم ، ووجدت كل مواطن سوداني يريد تغيراً للموقف ، يريد ان يعيش ، ان الشعب يريد ثورة تنقذه من هذه الحالة انه يبحث عن  انقاذ شامل .
هكذا وجدت الثورة في الشعب ، انها ثورة من الشعب وله ، لقد كدنا نفقد كل شيئ حصلنا عليه باستقلالنا ولم يكن هناك بد من الحركة السريعة والتحرك لانقاذ الموقف ، ان الشعب هو الذي حدد موعد الثورة ونحن ما كنا الا منفذين له .
من النهار الي الليل
وهكذا بدأنا نفكر جدياً في في الثورة ، بدأنا في وضع الخطط لتنفيذ الانقلاب الذي يريده كل مواطن سوداني ويريده الشعب ،لقد كان النجاح مضموناً لان شعب السودان هو الذي يريد ثورة علي الاوضاع وقررنا اولاً ان ننقل الاجتماعات من النهار الي الليل
قررننا ان نجتمع اربع ساعات علي ان يتم الاجتماع في مكتبي برئاسة القوات المسلحة مرتين في الاسبوع ، والمفروض ان جميع الضباط يأتون الي مكتبي دائماً ، كما اننا نجلس عادة في مكتبي بالليل كاصدقا ء  ، ولم يكن احد يشعر باننا نختار رئاسة الجيش لندبر فيها انقلاباً ، ان اجتماعات المنازل قد تثير الشك ولكن اجتماعاً في رئاسة الجيش وامام الجميع ، لا يمكن ابداً ان يكون وراءه ثورة ، بل علي العكس انه دائماً لاخماد  ثورة .
ولقد علمتني خبرتي في صيد الحيوانات ( فانا اهوي الصيد واصطدت عدة اسود وافيال وحيوانات اخري ) علمتني خبرتي انك تصطاد اسهل لو اتيت من أءمن مكان لفريستك .. ان الضربة في هذه الحالة تكون صائبة مائة في المائة لانك تأخذ الوقت الكافي لاعداد سلاحك وتصويبه ، بينما فريستك آمنة تترك لك هذه الفرصة .
وضعنا الخطة:
واتفقنا علي الخطة كلها ، وضعت استعداداً لكل شيء ، وقدرنا كل الاحتمالات ، كان حساباً دقيقاً لكل ما يمكن ان يحدث ، وكل مانفعله للقضاء عليه ، ولم يكن وضع الاحتمالات غير المنتظرة في الخطة معناه اننا كنا ننتظر شيئاً ، فقد كنا نعلم ان الشعب سيرحب بخطوتنا لانها ثورة ، ولكن الايام وتربيتنا العسكرية علمتنا الا نترك شيئاً للظروف وان نحتاط للاسوأ ، فاذا حدث الافضل كان ذلك في مصلحتنا .
عقدنا اجتماعاً حاسماً في قيادة القوات المسلحة ، لقد حددنا في هذا اليوم تأريخ الانقلاب ، جعلناه 16 نوفمبر سنة 1958 وكان هذا اليوم هو اليوم السابق لافتتاح البرلمان ن وكانت امامنا الفرصة لنحرك قواتنا العسكرية كما نريد دون ان يشك في امرنا احد ن اننا سنتخذ من حجة افتتاح البرلمان ستاراً نخفي خلفه الغرض الحقيقي من تحرك القوات ، قررنا زيادة حامية الخرطوم ، وبدأنا في وضع الخطة التفصيلية لكل شيء ، حددنا الاسماء التي سوف تنفذ الاومر ، عدد الجنود والسيارات المصفحة والدبابات التي سوف نحتاج اليها في كل شارع ، الاماكن التي سنتولي حراستها لحماية الثورة .
الفريق ابراهيم عبود .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
imar088

عقـــيد
عقـــيد
avatar



الـبلد :
العمر : 52
المهنة : أخيراً متقاعد
التسجيل : 08/11/2015
عدد المساهمات : 1453
معدل النشاط : 1692
التقييم : 121
الدبـــابة :
الطـــائرة :
المروحية :




مُساهمةموضوع: رد: مذكرات الرئيس الفريق ابراهيم عبود لاول مرة - قصة الثورة    الخميس 27 أبريل 2017 - 10:46

قصة الثورة..
بقلم الرئيس الفريق عبود (2-2)
* لم تكن الحراسة التي فرضناها على منازل السياسيين بسبب خوفنا منهم، بل كانت لحمايتهم من غضب الشعب
* لقد كانت الـ24 ساعة قبل اندلاع الثورة هي من أدق اللحظات التي مرت على حياتي
* كانت الخوذات على رؤوس الجنود تعطيك فكرة أننا مقدمون على حرب حقيقية
مقدمة:
إن المذكرات لا تكتب بالمداد، إنما تكتب دائماً بالدم.. صحيح إننا نضعها هنا على الورق ولكن قبل أن نكتبها نعيشها بدمائنا وأرواحنا وهذه هي مذكراتي عن ثورة السودان، ثورة 17 نوفمبر 1958.
الفريق إبراهيم عبود
من مشرف الصفحة:
نواصل في النسخة الثانية من مذكرات الرئيس الفريق إبراهيم عبود ما انقطع من تدوين سعادته للحظات الحاسمة التي سبقت قيام ثورة نوفمبر 1958 (الثورة البيضاء) كما يحلو له أن يسميها استناداً على كونها نُفذت لإنقاذ البلاد أولاً من التردي السياسي المريع الذي كان يهدد أمن واستقرار البلاد، وثانياً كونها (الثورة) حدثت دون إراقة قطرة دم واحدة من دماء الشعب أو قواته المسلحة، فدعونا نتابع هذه الذكريات التي تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ القوات المسلحة، لا سيما وأن التدوين لها كان بقلم السيد القائد العام لها ورئيس البلاد فيما بعد نجاح الثورة.
كنا نريد حمايتهم:
وقررنا في هذا الاجتماع أن نضع حراسة على منازل السياسيين القدامى يوم الانقلاب، وأن نمنعهم من مغادرة دورهم، ولم تكن هذه الحراسة لأننا نخافهم، بل كانت لحمايتهم من غضب الشعب، كانت الجماهير ستفتك بهم إن رأتهم يوم الثورة، وكنا نريدها ثورة بيضاء من غير دماء، إننا لا نريد القتل، بل نريد إصلاح الأمور، نريد رفاهية الشعب فقط، وبدأنا نحدد الثورة بالأسماء والأرقام، فرقة كذا بقيادة فلان، سنتحرك الى نقطة معينة في ساعة محددة، وفرقة أخرى تتولى حراسة المنشآت، وهكذا لم يكن أحد يعلم بتفاصيل الخطة إلا نحن قادة الثورة الـ13 ضابطاً، كنا وحدنا الذين نعرف كل شيء ولم يكن أي ضابط في الجيش يعلم شيئاً، ولم يكن هنالك أحد في الجيش لديه معلومة على الإطلاق، كان على كل واحد منهم أن ينفذ الأوامر التي صدرت اليه، والضباط لهم ثقة عمياء بقائد الجيش، وانتهى إعداد الخطة في ثلاثة أسابيع كنا نعد ونضيف ونراجع ونجد احتمالات، ثم نعد طريقة مواجهتها وكنا نناقش الخطة بدقة لتلافي أي احتمالات سالبة، ثم انتهى إعداد الخطة وحان الوقت لتنفيذها، وكان أمامنا أسبوعان فقط للتنفيذ.
وكان أمامنا عمل كبير كان يجب أن يتم نقل القوات وبسرعة، ويجب أن يكون كل قائد في منطقته التي سيشرف منها على الانقلاب حتى يمكنه في ساعة الصفر أن يبدأ في التحرك، قادة الجنوب يجب أن يكونوا في مراكزهم قبل حدوث الانقلاب وأن تكون قواتهم كاملة السلاح ومستعدة لأي طارئ، قادة المنطقة الشمالية أيضاً يجب أن يكونوا في مراكزهم، ثم الخرطوم العاصمة التي يجب أن تتركز فيها قوات كبيرة لأنها أهم نقطة في الانقلاب
نقل الجنود:
وبدأنا ننقل الفرق بهدوء من الجنوب والشمال الى الخرطوم، إنني لن أسجل هنا عدد القوات التي استعملناها في الانقلاب لأن هذا سر عسكري ولكني أسجل في مذكراتي أنه قام بتنفيذ الانقلاب في شوارع الخرطوم أربعة آلاف عسكري وأربعون دبابة وسيارة مصفحة، وأن الاحتياطي الذي كان موجوداً داخل الثكنات كان احتياطياً ضخما ويكفي لمواجهة أي شيء.
وفي الأسبوع الأخير قبل الانقلاب كان الموقف يغلي، الأعمال لا تتم عامة، لقد كنت استمع الى شكاوى الشعب وصدري يغلي، كنت أتمنى أن أصرخ فيهم أننا سننقذكم، أننا لن نترككم، أن الجيش هو الشعب، والشعب هو الجيش، ولكن القسم الذي أديته على المصحف وكتمان السر لنجاح الانقلاب كان يمنعني من الصراخ.
كنت أريد أن أقول وما زلت أريد أن أقول للناس: إنني لا أطمع في حكم، لا أريد مركزاً، كل ما أريده هو سعادة شعب ونهضة أمة، وكنت أنظر حولي للبلاد التي تعيش نفس ظروفنا فأجد أن الانقلابات العسكرية أفادتها وأنها تقدمت بها الى الأمام بخطوات سريعة عاجلة، في مصر حدث تقدم سريع بعد الانقلاب، وكذلك في العراق وكان إيماني بالثورة يملأ دمي ويريد أن يخرج ليخبر كل مواطن بما يحدث.
تعطيل الانقلاب 24 ساعة:
وبدأ نقل الفرق الى الخرطوم، وهنا حدثت المفاجأة التي عطلت الانقلاب 24 ساعة، لقد استدعيت بعض الفرق من القيادة الوسطى والقيادة الشرقية لتعزيز حامية الخرطوم، ولكن هذه الفرق ولأسباب خاصة بالنقل والطرق تأخرت 8 ساعات، وقررنا تأجيل الانقلاب 24 ساعة على أن يتم في 17 بدلاً عن 16 نوفمبر بسبب تأخر الفرق اللازمة من أجله.
وكانت الساعات تمر بطيئة قبل الانقلاب ولكني كنت سعيداً، كنت أشعر كإنسان سيرد الجميل لشعبه وأمته، وأحس أنني أقوم بالواجب الذي أقسمت من أول يوم على أن أؤديه، لم يكن الوضع هو قلب حكومة شرعية، بل كان الوضع هو إحضار الحكومة التي سيرضى عنها الشعب، وبدأ كل شيء يسير في طريقه المرسوم، وقررت أن أترك منزلي قبل 24 ساعة وأن آخذ زوجتي وأولادي وأذهب بهم الى والد زوجتي، إنني لم أكن أعرف ماذا سيحدث، ولم يكن يهمني ماذا سيحدث إنما كل الذي كنت أهتم به أن يكونوا بعيدين عن كل شيء. وهنا أقف قليلاً من سرد الأحداث المتراصة التي تريد أن تسجل لأقول إن عائلتي هي أغلى شيء في وجودي، ولكن في هذه اللحظة تلاشى كل شيء ولم يكن هناك سوى كلمة واحدة مقدسة إنها إنقاذ الوطن.
الله معنا:
واستطعت أن أقنع عائلتي بالرحيل حاولوا معرفة السر فرفضت، فقلت أنني مشغول، افتتاح البرلمان وحالة الطوارئ ولا أحد يعرف ماذا سيحدث، قالوا لقد افتتح البرلمان من قبل ذلك عدة مرات ولم تتخذ إجراءات مثل هذه التي تتخذها الآن، قلت إن الحالة هذه المرة أقسى من المرات السابقة وأخيراً أقنعتهم بأن يأخذوا ملابسهم ويذهبوا عند والد زوجتي.. ووضعت الخوذة على رأسي وقلت لقد بدأ العمل، إن الله معنا، إنه لا يريد لهذا الشعب الضيم، يريد أن ينقذه لأننا شعب طيب نقي صريح، وحتى هذه اللحظة قبل الانقلاب بـ24 ساعة لم تكن ساعة الصفر قد حددت، كان اليوم محدداً الا أنه تأجل 24 ساعة ولكن ساعة الصفر نفسها لم تكن محددة وجلسنا نتداول في ساعة الصفر وكان الضباط والجنود في ثكناتهم بملابس الميدان والأسلحة، والسبب الظاهر طبعاً البرلمان، لقد تحولت الثكنات الهادئة الى معسكر حربي كبير وجلسنا نفكر هل نجعل ساعة الصفر في الرابعة صباحاً أو نجعلها منتصف الليل، وبدأنا نحسب الوقت الذي ستستغرقه العمليات الحربية، ثم قررنا أن نجعلها الثانية بعد منتصف الليل، أي يبدأ الجنود التحرك من ثكناتهم الى المواقع المحددة في تمام الثانية تماماً ويتم كل شيء قبل الرابعة والنصف تماماً، لقد كانت العمليات سريعة ومحددة وكل واحد محدد له دوره بدقة، الأماكن التي سيحرسونها، طريقة الحراسة، عدد القوات كل ذلك كان مسجلاً دقيقة بدقيقة.
آخر 24 ساعة قبل الانقلاب:
وهنا أترك المذكرات الـ24 ساعة الأخيرة التي سبقت الانقلاب، أنها آخر صفحة دونتها، آخر ما خطه قلمي فيها، أما بعد ذلك فقد منعني العمل المتواصل من تسجيل ما حدث ويوماً بعد أن تتحسن الأحوال سأجلس الى مذكراتي مرة أخرى لأدون فيها بالحبر ما تمت كتابته بالدماء على صفحة الحياة.
لقد كانت الـ24 ساعة قبل الثورة هي من أدق اللحظات التي مرت على حياتي، لم أكن أخاف أن يكتشف تدبير الثورة. لكني كنت أخشى أن يحدث أي شيء من أي فرد  غير مقدر للمسؤولية، وجلست وكان معي عدد من قادة الثورة، أما الباقون فكانوا في مراكزهم في القيادات الأخرى بانتظار تنفيذ الأوامر، وبدأنا نعد في خطابات الإقالة لأعضاء مجلس السيادة والوزراء، كنا نريد أن نكتبها على الآلة الكاتبة ونضعها في مظروف أنيق ونعطيها لهم ولكننا أردنا المحافظة على السرية التامة فيها، ولذلك قررنا كتابتها بخط اليد.
خطابات الإقالة للحكومات السابقة:
وفكرنا أن تصدر الخطابات باسم مجلس الثورة وعدلنا عن ذلك لأن مجلس الثورة لم يكن يولد رسمياً، قررنا أن تصدر باسم قيادة القوات المسلحة، وفي دقائق كنا قد أعددنا صيغ الخطاب، لقد أردنا أن تكون صيغة مهذبة، 
وهذا نصها:
إنها تبدأ بالاسم، ثم تخطركم القيادة العامة للقوات المسلحة بالاستغناء عن خدماتكم في الوزارة أو مجلس السيادة (حسب مركز المكتوب في الخطاب).. وهي تشكركم على ما بذلتموه من خدمات، والإمضاء، قائد القوات المسلحة الفريق إبراهيم عبود.
وبدأت أكتب الخطابات لأعضاء مجلس السيادة الثلاثة ورئيس الوزراء، كنت كلما انتهيت من كتابة خطاب أضعه في ظرف، ثم بختم القيادة العامة للقوات المسلحة ثم يغلق بالشمع الأحمر، وأعددت 15 خطاباً للوزراء وأعضاء مجلس السيادة.
وانتهى إعداد الخطابات لتبدأ مرحلة أخرى وهي مرحلة اختيار الضباط الذين سيكلفون بمهمة توصيل خطابات الإقالة، لقد قررنا أن يحمل الخطابات ضابط كبير حتى يستطيع التصرف بسرعة وحتى يكون إخطاره لائقاً بخطورة المهمة التي يقوم بها واخترنا ضابطين برتبة القائم مقام، وكانت الفكرة الأولى أن يتم تسليم الخطابات بعد أن يتم إعلان نبأ الانقلاب رسمياً ولكننا قررنا أنه يجب إقالة الحكومة القديمة أولاً قبل أن تعلن الحكومة الجديدة، ولذلك تقرر أن يتم تسليم الخطابات لأعضاء مجلس السيادة والوزراء ورئيس الوزراء قبل الساعة السادسة والنصف صباحاً وهو الوقت الذي حددته لإذاعة بياني الأول على الشعب السوداني من الإذاعة بأمدرمان، أنها أول مرة أدخل فيها الى الإذاعة وأتحدث فيها بالميكرفون الى الجماهير، لقد كنت قبل ذلك أذيع رسائل للضباط والجنود ولكنها كانت تسجل في مكتبي على شريط ثم تذاع، ولم أدخل الإذاعة أبداً قبل يوم الثورة، وكانت الساعة قد بلغت العاشرة مساء، كل شئ قد تم إعداده وباقي على البدء في الانقلاب 4 ساعات كاملة.
العمل بسرعة:
وانتهزت هذه الفرصة للاتصال بقيادات الجيش في مختلف أنحاء السودان لمعرفة مدى استعدادها للقيام بالعمل، وجدتها كلها مستعدة للعمل بسرعة، لقد أعد كل قائد جنوده، أعطاهم السلاح وألبسهم ملابس الميدان ووقفوا على استعداد للتحرك في الدقيقة التي تصدر لهم فيها الأوامر، والدقيقة هي ساعة الصفر الساعة الثالثة صباحاً، وقررنا أن يتم الاتصال بين وحدات الجيش خلال فترة تنفيذ الانقلاب باللاسلكي، أن التلفونات ستقطع وأن اللاسلكي أضمن وأسرع الطرق في الاتصال والاحتفاظ بسرية الاتصالات. وبدأت الاتصالات السرية التجريبية وتبين أن جميع وحدات اللاسلكي ستكون مستعدة للعمل ساعة الصفر وأنها ستبقى متصلة ببعضها طوال فترة الانقلاب لتكون شبكة لاسلكية تصل جميع الوحدات بعضها ببعض.
ساعة الصفر:
كانت الساعة منتصف الليل وقررت أن أخرج الى الخرطوم لأستطلع الأحوال بنفسي حتى أعرف هل تسرب خبر الانقلاب أم لا، أن تسرب الخبر قد يؤدي الى نتائج لا نريدها أن تحدث، ووجدت شوارع الخرطوم هادئة، المرور فيها قليل كما هو الحال دائماً خلال هذه الفترة من الليل، الناس الباقون في الشارع يسرعون في العودة الى منازلهم، المحال العامة والمقاهي بدأت تغلق أبوابها، لا أحد يحس أبداً بأن انقلاباً سيحدث بعد ساعتين وأن عهداً قديماً سيزول وعهداً جديداً سيبدأ.
وظللت نصف ساعة أجول في شوارع الخرطوم الهادئة ثم عدت الى الثكنات وبدأت العمل فوراً، اجتمعنا لآخر مرة وراجعنا الخطة النهائية للانقلاب خطوة بخطوة، ثم بدأت الأوامر التمهيدية للقوات، الاستعداد للتحرك، وأصبحت المعسكرات كخلايا النحل، الجنود اصطفوا بجانب اللوريات التي ستحملهم الى أماكنهم المحددة بالخرطوم، أنهم يلبسون الخوذات ويحملون السلاح، جنود الدبابات والسيارات المصفحة وقفوا بجانب آلياتهم، الضباط على استعداد للتحرك في أي لحظة، ونزلت أنا الى الثكنات وطفت على الجنود بسيارة جيب، لقد كان كل واحد منهم يحمل بطانيته وكأنه ذاهب الى ميدان القتال، البنادق مليئة بالرصاص، خزانات الرصاص الاحتياطي مملؤة وموضوعة في جيوب الجنود، الخوذات على الرؤوس تعطيك فكرة أننا مقدمون على حرب حقيقية، كان كل شئ قد تم إعداده ببراعة والخطة ستنفذ كما وضعت تماماً بدون أدنى تغير.
وجاءت ساعة الصفر، الساعة الثانية صباحاً وصدرت الأوامر للضباط والجنود بالتحرك فوراً، سلمت الأوامر لكل ضابط، المنطقة التي سيذهب إليها، المكان الذي سيعسكر فيه، ماذا سيفعل إذا واجهته ظروف مفاجئة، كان كل شئ معداً، وأمام الضباط الأوامر للتصرف في مواجهة كل الاحتمالات، وبدأت الطوابير الضخمة تخرج من مبنى وزارة الدفاع، أنهم الجنود يحملون السلاح، لقد بدأت الثورة.
الفريق إبراهيم عبود.


المصدر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

مذكرات الرئيس الفريق ابراهيم عبود لاول مرة - قصة الثورة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجيش العربي Arab Army Forum :: الأقســـام العسكريـــة :: التاريخ العسكري - Military History-
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر

Powered by Arab Army. Copyright © 2018